[ترجمة]
نوروز 178
إلى أحبّاء الله الأوفياء ونصرائه الأتلاد في أرض إيران المقدّسة
إنّ هذا الجمع المشتاق، وعلى أعتاب العام الجديد وقرب حلول عيد النّوروز، منشغل بذكركم في البقعة المقدّسة النّوراء، وبكلّ خيرٍ يستذكر كيف أنّكم أيّها الأحبّة وبمدد العشق والإيقان وبثبات واستقامة لامتناهية تألّقتم كالنّجوم السّاطعة في سماء إيران منذ بدء طلوع شمس الحقيقة، وكيف تقابلون الظّلم والجور واللّوم والعذاب بصبر وصدق وصفاء بحيث أصبحتم بحسن تصرّفكم مثارَ فخرِ واعتزازِ أهل الإيمان وقدوةً لشعوب العالم جمعاء. وحتّى في خضمّ الأزمة الوبائيّة الحاليّة والصّعوبات المعيشيّة والاجتماعيّة والآلام المتعدّدة الّتي ابتلي بها العالم وألمّت بشعوبه، وعلى الرّغم من أنّ المشقّة والتّمييز الشّديديْن اللّذيْن تعرّضت لهما جامعتكم المظلومة لم يسكنا آنًا ولم يتركا مجالًا، فإنّ خدماتكم لم تنقطع ومساعيكم لمدّ يد العون للإنسانيّة لم تتوقّف، لقد بتّم شعلة الأمل ورمز المحبّة والصّداقة للجميع. فهنيئًا لكم إذ أضفتم مرّة أخرى صفحة ذهبيّة إلى تاريخ جامعتكم المجيد ونلتم مرضاة الرّبّ المتعال.
يصادف عيد الرّضوان الأعظم هذا العام نهاية خطّة السّنوات الخمس، كما يصادف في الوقت نفسه ختام فترة الخمسة وعشرين عامًا الّتي تمّت خلالها دعوة العالم البهائيّ لإحداث نقلة عظيمة في توسيع نطاق الجهود المبذولة والموارد البشريّة. استجابةً لهذه الدّعوة نهض أهل البهاء بعزم غير مسبوقٍ أدّى في النّهاية، ورغم الصّعود والهبوط الطّبيعيّ الحتميّ، إلى نجاحات جديدة وتقدّم هائل، وأحدث تحوّلًا عميقًا، وأظهر قدراتٍ بديعةً ودفع بجامعة الأمر المبارك إلى مرحلة جديدة. لا يتّسع المجال في هذا المقال لوصف طبيعة انتصارات وإنجازات جامعة الاسم الأعظم في جميع أنحاء العالم خلال هذه البُرهة التّاريخيّة، وسنتناولها قريبًا بمزيد من التّفصيل في مناسبة أخرى. أمّا ما تتركّز عليه أنظارنا وأفكارنا في هذا الحين هو المساعي الحبّيّة المكرّسة لأتباع جمال القِدم الغيّورين في مهد أمره الجليل ممّا أدّى إلى أن يقوموا بدورهم بإحداث تحوّل عظيم في جامعتهم على مدار المرحلة نفسها مستلهمين من إطار عمل العالم البهائيّ، وليستوفوا بذلك شرط الوفاء مرّة أخرى على رغم القيود الّتي لا حصر لها والظّروف غير المواتية. إذن وعلى رغم الصّعوبات والمشاكل الّتي لا تحصى، والّتي بإمكان كلّ واحدة منها أن تحيل جبلًا إلى كومة قشّ، رفع عشّاق الجمال الأبهى راية الثّبوت والرّسوخ، وجالوا في ميدان العبوديّة، وبنوا قدرات جديدة لخدمة العالم الإنسانيّ. إنّ روح التّعلّم الّتي تولّدت من العمل والمراجعة والتّقييم والمشورة غدت محور الفعاليّات؛ بات الجيل الصّاعد محطّ عناية الجامعة بشكل خاصّ وعلى نحو منتظم وباهتمام بالغ؛ تعلّم الأطفال دروس الأخلاق والفضائل الرّوحانيّة، واكتسب الشّباب النّاشئ الخصال الرّوحانيّة والقدرة الأخلاقيّة والتّوق للخدمة؛ والشّباب من خلال حصولهم على درك عميق لرسالتهم الرّوحانيّة ورؤية واسعة المدى لمقتضيات التّعاليم الإلهيّة لهذا العصر الجديد سارعوا إلى ميادين الخدمة واحتلّوا ما هو حقًّا مكانهم باعتبارهم روّاد جامعة تفيض بالحركة والنّشاط وذات هدف سامٍ. لقد ازدادت وحدة كافّة أعضاء الجامعة وتضامنهم ببركة القوّة النّابضة للعهد والميثاق، وبلغ التّعاون والتّعاضد مستويات عالية؛ توافقت وجهات النّظر وانسجمت، واتّسقت مساعي الجامعة المتنوّعة بفضل التّعمّق في الآثار المباركة والاهتمام بالهدايات، والتّمسك بالمشورة كمبدأ أساسيّ، وأينعت يا أعزّة جهودكم المضنية المختلفة على درب الخدمـة وأسفرت عن ثمـار شهية وفواكه جنيّـة؛ كمـا تعزّزت ثقافــة الانفتــاح على الخـارج في الجامعــة إلى حدٍّ ملفت ممّا أفضى إلى مشاركة الأحبّاء المتزايدة في الحوارات البنّاءة والمفيدة للمجتمع. إنّ الدّروس الثّمينة الّتي اكتسبوها على مدار قرن من المساعي الحثيثة في مسيرتهم نحو بناء جامعة نابضة بالحياة تمّت مشاركتها مع الآخرين على طبق الإخلاص، والخبرات الّتي اكتنزوها من خلال السّعي الحثيث في تطبيق التّعاليم المباركة بجدٍّ واجتهاد ومن دون ادّعاء تفوّق أو كمال تقاسموها مع المهتمّين من مواطنيهم في هذا العصر النّورانيّ من أجل تحقيق المساواة في الحقوق بين المرأة والرّجل، والعدالة الاجتماعيّة، والعدالة المعيشيّة، والوحدة بين الأقوام المختلفة، وتمكين جيل الشّباب، وتهذيب الأخلاق؛ وتشاوروا وتعاونوا مع مواطنيهم قدر الإمكان للتّخفيف من المصاعب الاجتماعيّة المختلفة. قصارى القول إنّ هذا التّحوّل جدير باستحسان عميق ويوفّر أساسًا مُحكمًا ومتينًا للمساعي المستقبليّة.
الحمد لله، إنّ التّأييدات الحتميّة للملأ الأعلى قد شملت، وما كان تصوّره في وقتٍ ما غاية في الصّعوبة قد تحقّق. فالدّعم المتواصل على نطاق واسع جدًّا لحقوق البهائيّين المشروعة على امتداد العقود الأخيرة من قِبَل دول العالم والمنظّمات الدّوليّة بالنّيابة عن شعوب العالم والّتي بلغت ذروةً دفعت بمسؤوليْ حكومتيْن أن يطالب كلّ على حدة بالاعتراف بالدّين البهائيّ رسميًّا في إيران بدأت تبرز تدريجيًّا خلال السّنوات نفسها من جانب الشّرفاء في تلك الأرض بأساليبَ وأشكال مختلفة، وغدت أكثر وضوحًا يومًا بعد يوم. أزيلت الأستار عن الأنظار، وبفضل جهود العلماء وغيرهم أصبحت المعلومة الصّحيحة والمعرفة السّليمة في متناول العموم أكثر من أيّ وقت مضى من خلال وسائل الاتّصال الجديدة. وحلّت حقائق هذا الأمر العزيز محلّ افتراءات المتعصّبين الواهية في أذهان وأفكار العديد من النّفوس ذوي الضّمائر المستنيرة والنّوايا الحسنة؛ اكتسب حسن السّلوك المعهود في الجامعة البهائيّة صيتًا جديدًا وانتاب العالم الحيرة والذّهول من صدق وأمانة أتباع جمال المحبوب، وثبتت أيّها الأحبّة براءتكم التّامّة ونواياكم الحسنة وتفوّق مقاصدكم العالية لدى عدد من النّفوس لا يُحصى. هذا ما يشهد به القلم الأعلى إذ يتفضّل: "للمظلوميّة الصّرفة آثار وتأتي بأثمار". إذن فلتعرفوا قدْر هذه الموهبة ولتنظروا إلى المستقبل بعين التّفاؤل والأمل.
أحبّتنا الأعزّاء، في رسالتنا للعالم البهائيّ في يوم الميثاق أعلنّا عن بشرى تدشين مشروع مدّته تسع سنوات والّذي سيبدأ بعد انتهاء خطّة السّنة الواحدة، وذكّرنا بأهمّيّة العام المقبل. فهذا العام كما تعلمون يخصّص لإحياء الذّكرى المئويّة لصعود كوكب الميثاق، حضرة عبد البهاء، المثل الأعلى لأهل البهاء. إنّ الميراث الرّوحيّ لذلك النّفس النّفيس بلا مثيل الّذي قلّب القلوب بكلامه وجذب النّفوس بمغناطيس سَيْره وسِيرته يخصّ البشريّة جمعاء بلا ريب، إلّا أنّ له مفهومًا ومغزًى لدى الإيرانيّين يقتضي اهتمامهم على نحو خاصّ. فبالرّغم من أنّ حضرته أُبعِد في طفولته إلى المنفى بصحبة والده الجليل ولكنّه لم ينسَ أبدًا وطنه المقدّس المألوف، وطوال حياته، حتّى أثناء رحلاته إلى الغرب كان دائم التّفكير بمواطنيه ومنشغلًا بذكرهم لعلّ بمدد التّعاليم الإلهيّة المُنزَلة لهذا اليوم البديع وبترويج الخصال الجديرة بهذا العصر الجديد يطرأ تغييرٌ كلّيّ على الرّوابط الضّروريّة والعلاقات الأساسيّة للمجتمع في تلك الدّيار، فيتجلّى العدل والإنصاف، ويتكشّف العقل والحكمة، وتغدو التّربية والتّعليم المحور الرّئيس للشّؤون، وفي ظلّ التّحوّل الجوهريّ للأخلاق تتيسّر كافّة أنواع التّقدّم والرّقيّ وتكون سببًا في إعلاء شأن إيران. لذا ومن خلال شرح التّعاليم الإلهيّة والتّشجيع والحثّ على العمل وفق التّعليمات المندرجة في الشّريعة الرّبّانيّة للقضاء على مشاكل المجتمع ونواقصه خاطب حضرته أهل تلك الدّيار عمومًا وأسدى النّصح والإرشاد للبهائييّن خصوصًا وحثّهم على التّضحية والإيثار ونكران الذّات بكافّة أشكالها في سبيل خدمة تلك الأرض المقدّسة، مطمئنًّا الجميع مرارًا وتكرارًا وبشكل قاطع على مستقبل إيران الباهر.
يتفضّل حضرة عبد البهاء في أحد ألواحه المباركة: "إنّ مستقبل إيران في غاية الجلال والعظمة وعلوّ القدر والمنزلة لأنّها موطن الجمال المبارك. سوف تتوجّه أنظار كافّة أقاليم العالم إلى إيران باحترام كبير، واعلموا يقينًا أنّها سوف ترتقي على شأن يُبهِر أنظار جميع أعاظم العالم وحكمائه". وفي بيان آخر يتفضّل: "منزل الأحزان يومًا ما سيغدو روضةً، لا تبتئس، ابذلوا منتهى الهمّة والصّدق في خدمة إيران والإيرانيّين وتجاوزوا الأحزان بعد ذلك".
إخوتنا وأخواتنا الرّوحانيّين الأعزّاء، في هذا اليوم المبارك الميمون نهنّئكم فردًا فردًا سائلين لدى عتبة مقصود العالمين لكم ولمواطنيكم الصّحّة والرّاحة والحرّيّة والرّخاء من أعماق قلوبنا، وملتمسين نزول تأييداته اللّامتناهية عليكم وعلى مواطنيكم أجمعين.
[التّوقيع: بيت العدل الأعظم]