[ترجمة]
نوروز 179
إلى أتباع حضرة بهاء الله الصّبورين الأوفياء في أرض إيران المباركة
أيّتها الأخوات والإخوة الأعزّاء على القلب والرّوح،
بينما نخطّ هذه السّطور ببركة عيد النّوروز وبمناسبة هذا اليوم الميمون لعشّاق جمال المحبوب، لننقل لكم أيّها الأعزّاء محبّة هذا الجمع، فإنّ أهل البهاء في شتى أرجاء الدّنيا يوجّهون طاقتهم واهتمامهم نحو التّأمّل العميق في متطلّبات المرحلة الجديدة من مساعيهم. وهم ومع من يماثلونهم في الفكر، وإلى جانب جمّ غفير من أولئك الّذين يريدون إصلاح العالم ويرجون خير ورخاء أهله، مشغولون في اللّقاء والحوار وتبادل البصائر، ويتشاورون بخصوص عمليّة التّحوّل والتّغيير الرّوحاني لجامعتهم وتعزيز رفاهها وفق تعاليم من هو محيي العالم. وتشير التّقارير إلى الاستجابة غير المسبوقة للأحبّاء وأصدقائهم ومن يتعاونون معهم الّذين يُشاركون صفًّا صفًّا في المؤتمرات المنعقدة في أجزاء لا تُحصى من العالم وفي وضعيّات مختلفة لا سيّما على المستوى المحلي. وما هذه الاستجابة إلّا علامة على القدرة المتزايدة للجامعة البهائيّة والاستعداد الرّوحانيّ المُتنامي لشعوب العالم. إنّ هؤلاء الأصدقاء توّاقون للحصول على حياة روحانيّة مفعمة بالقوّة والنّشاط وتحقيق تحوّل عميق في العلاقات الاجتماعيّة يقوم على أساس مبدأ وحدة الجنس البشريّ.
لقد انقضى الآن قرن كامل منذ استهلال عصر التّكوين الّذي بدأ بصعود حضرة عبد البهاء ذلك الوجود الفذّ الفريد. فبات مدى نموّ الجامعة البهائيّة في القرن الأوّل من هذا العصر، وانتشار أنوار أمر الله إلى أقصى أطراف المعمورة، ودخول أفراد من جميع الملل والأقوام في حظيرته، وتوسّع دائرة مجهوداته، وارتقاء مستوى رؤية وبصيرة أتباعه فيما يتعلّق برسالتهم، كلّ ذلك، صدقًا، يُذهل ويُربك عقول البشر. إنّ المرء ليعجب كيف أنّه بعد غياب مولاهم الحنون، نجح أتباعه في سائر أنحاء العالم، تلك الحفنة من الضّعفاء، العاشقين للمحبوب الفريد، المحترقين بنار الهجران، المتفجّعين المضطربين في البعد والفراق من خلال عزم لا ينثني وتضحية لا نظير لها، من العمل بنصائح مولاهم البصير الّتي أدرجها في ألواح خطّته الإلهيّة، وتمكّنوا من ترسيخ أمر الله على مثل هذا الأساس المتين. حقًّا إنّ التّأييدات تجعل القطرات بحورًا والذّرات شموسًا وأنوارًا.
في هذه الملحمة النّوراء، فإنّ نصيب عُشّاق الجمال الأبهى وفرسان الله البواسل في مهد أمر الله كبير وعظيم للغاية، وهو واضح مشهود في مرآة التّاريخ، وسرد دلائله الّتي لا تُحصى ضمن هذه السّطور غير ممكن بل مُستحيل، إذ يلزم نهرًا من المِداد ويقتضي جبلًا من القرطاس. ومساهمة أولئك الأحبّاء في حماية وتقدّم دين الله في كلّ حقبة من الزّمان، إلى حدّ الإمكان، ورغم كلّ العوائق والقيود جدير بالإعجاب والثّناء الّذي لا يتناهى. ويقينًا أنّ الأجيال القادمة ستقوم بذكرها وسردها بالتّفصيل. في هذه اللّحظة التّاريخيّة، فإنّ التّأمّل والتّفكّر في نتائج قرن كامل من الجهد والعمل يُعيد إلى الأذهان البيان المُحكم المشهور لحضرة وليّ أمر الله العزيز الّذي أشار فيه، بعد تعداد إنجازات البهائيّين في العالم، إلى تضحيات الأحبّاء المظلومين الشّجعان في إيران، ووصف بهذه الكلمات الثّمينة حقيقة روحانيّة وسرًّا من العوالم الغيبيّة فتفضّل: "... ليس هذا إلّا من التّأثيرات النّافذة لعلقم الجفاء الّذي ذاقه لسنوات طوال وكأنّه العسل المصفّى أولئك المنغمسون في بحر البلاء من يد أولي البغضاء في ذلك الإقليم المُبتلى بأشدّ ابتلاء."
بعد مائة عام من الجهد والسّعي، ومن التّضحية والامتحان والتّعلّم، فإنّ كلّ ما حقّقه البهائيّون في العالم والّذي اتّخذ في السّنوات الخمس والعشرين الماضية شكلًا جديدًا وامتلك نُظُمًا ومنظّمات جديدة، قد أعدّهم وهيّأهم لأداء رسالة روحانيّة وأخلاقيّة سامية، هدفها الأساسيّ إطلاق تلك القوّة السّماوية الجبّارة المكنونة في هويّة وجوهر أمر جمال القدم من أجل إصلاح العالم لتتجلّى وتظهر يومًا بعد يوم بشكل متزايد وتساعد على بناء المجتمع. وباختصار، فإنّ إطلاق هذه القوّة يقتضي ضمنًا تحوّلًا باطنيًّا وظاهريًّا عميقًا، هدفه ظهور الأخلاق والخصال الرّوحانيّة، وبروز سلوك وتصرّف يليق بمقام الإنسان، وتجلي الوحدة والاتّفاق في مختلف الطّبقات الاجتماعيّة. هذه القوّة البنّاءة الخلاقة تروّج وتُحدث التّرقي والتّقدّم الرّوحانيّ والأخلاقيّ والفكريّ للنّاس حتّى يركّزوا على التّربية والتّعليم الماديّ والمعنويّ في آن معًا، ويُحرزوا تقدّمًا في العلم والمعرفة والإدراك؛ ليُصبح جيل الشّباب، بصفتهم مواطنين حُكماء أوفياء، مُجهّزًا بمستلزمات خدمة البشريّة؛ وليتّحد الأفراد والقبائل والشّعوب المُتنازعة؛ وتنسجم الأفكار والآراء وتأتلف حول محور الوحدة والاتّحاد والاتّفاق، من أجل أن يتحلى هذا المبدأ الأساسيّ وسائر التّعاليم الإلهيّة الأخرى بطرق عمليّة في الحياة الاجتماعيّة؛ وتستحكم دعائم وأركان المجتمع ويزيد التّماسك والانسجام الاجتماعي من خلال تقوية التّعاون والنّوايا الخيّرة والمشاركة والتّلاحم؛ ويصبح الأفراد بمثابة أعضاء عائلة واحدة، وتظهر مجتمعات متقدّمة وسامية؛ وتتأثّر ثقافة المجتمع بهذه التّنمية فتعكسها وتُعزّزها في الوقت نفسه؛ ويُحقّق الأنصار الثّلاثة في هذا المشروع الجماعيّ، الفرد والجامعة والمؤسّسات، كلّ في ذاته وكذلك في علاقاته مع الآخر، تقدّمًا كبيرًا. وعلامات ظهور هذه القوّة موجودة في النّشاطات الأساسيّة الّتي ألهمتها التّعاليم البهائيّة. إلّا أنّه في هذه الأماكن سواء كانت قرى في مناطق ريفيّة أو أحياء في المدن، حيث تقدّم المشروع الرّوحانيّ إلى مستويات أعلى، وحيث ضمّت جموع غفيرة من النّفوس أصواتها إلى نداء الأمر المُبارك لبناء مجتمع يقوم على أساس المبادئ البهائيّة، فإنّ إطلاق هذه القوّة قد أصبح حقيقة واضحة تمامًا ومن السّهل رؤية تأثيرها. هذا وإنّ عمليّة التّعلّم الّتي يتّبعها العالم البهائيّ على طول هذا الدّرب، واتّساق ميادين مساعي جامعة الاسم الأعظم قد تمّ وصفها بالتّفصيل في رسالتنا المؤرّخة 30 كانون الأوّل/ ديسمبر 2021، ولابدّ أنّكم رأيتم أنّ هذه المرحلة الجديدة في مجهودات أتباع حضرة بهاء الله في أنحاء العالم، ستوجَّه لمدّة ربع قرن من الزّمان نحو مزيد من التّعلّم عن إطلاق هذه القوّة وبروز وتكشّف آثارها في مختلف مناطق العالم.
في السّنوات الختاميّة للقرن الأوّل من عصر التّكوين، فإنّ أحد أهمّ ما حقّقته الجامعة البهائيّة في أجزاء لا تُعدّ ولا تُحصى من العالم هو أنّ ديناميكيّة الشّباب ونشاطاتهم لم تقتصر على اكتسابهم للكمالات، وجهودهم لتهيئة أنفسهم، والخدمة الّتي يقدّمونها للمجتمع فحسب، بل ذلك الاتّساع الكبير في نطاق حماسهم الحبّي ليكونوا مصادر تشجيع وتحفيز، محرّكين ومرافقين ومرشدين وداعمين لباقي أعضاء الجامعة، لدرجة أنّه في معظم البلدان، يسير جيل الشّباب اليافع الآن في الصّفوف الأماميّة للجامعة، جنبًا إلى جنب مع الآخرين، ويتحمّل مسؤوليّات أعظم ممّا سبق. إنّ مشاهدة قيام العاشقين هذا وظهور هذه القدرة المتنامية لدى اليافعين قد دفعتنا إلى تمكينهم من المشاركة في الانتخابات البهائيّة في سنّ أصغر. وبينما تقوم الماديّة، بأكثر من أيّ وقت مضى، بإغراء النّفوس، سواء في مجتمعات الشّرق أو الغرب، للانشغال بمتابعة أهداف ورغبات مضلّلة سريعة الزّوال، فإنّ سطوع وضياء الشّباب البهائيّ في السّنوات الأخيرة ما هو إلّا انعكاس لهذا البيان المُبارك لحضرة بهاء الله قوله الأحلى: "طوبى لنفسٍ يقوم في رَيعان شبابه وعُنفوان حياته على خدمةِأمر مالك المبدأ والمآب ويتزيَّن بحبِّه. ظهور هذا الفضل أعظمُ من خلقِ السّموات والأرض."
في هذا السّياق، عندما ننظر إلى الشّباب البهائيّ في أرض إيران المُباركة، يتملكنا الفخر والاعتزاز. فهذه الرّوح من الاستقامة والثّبات، والتزامهم برسالته الرّوحانيّة في طريق الخدمة لوطنهم المقدّس وأهله رغم ما يعانونه من مظالم عديدة وأضرار لا تُحصى، قد جعلهم قُدوة ونموذجًا يُحتذى به لجميع الشّباب في العالم البهائيّ، لأنّهم جالوا في ميدان العشق والوفاء للجمال الأبهى، وسعوا لإحراز الخصال الملكوتيّة واكتساب المعرفة والبصيرة، بينما هم في الوقت نفسه يسعون جاهدين للإيفاء بمسؤوليّاتهم الرّوحانيّة. إنّ على الشّباب الجسور في مهد أمر الله معرفة أنّهم مدار فخر العالم البهائيّ، وأنّ عليهم الالتزام في القلب والخاطر بمقصد حضرة عبد البهاء الّذي صوّره لهم حيث يتفضّل: "إنّ عبد البهاء يتشوّق أن يصبح كلّ واحد منكم أسدًا جسورًا يصول في أجمة الكمالات، ونفحة مسكيّة تهبّ في بريّة الفضائل."
والآن، يا أحبّاء الجمال المبارك القدامى الأوفياء، في وقت والعالم منقلب ونظمه متزلزل، وأهله في خوف وقلق وعُرضة للأخطار والمشقّات، وقلب كلّ إنسان ذي وجدان في ألم واحتراق، وفي وقت تتعهّد الجامعة البهائيّة العالميّة مرة أخرى واستجابة لوضع العالم وشعوبه بأداء رسالتها الرّوحانيّة والاجتماعيّة وترويج ثقافة من السّلام والوحدة والتّسامح والتّفاهم في شتى أنحاء العالم، فنحن على يقين بأنّ أحبّاء الله في إيران سيشدّون إزار الهمّة ويسعون جاهدين بأكثر ممّا مضى للسّير على درب الخدمة، وبالتّعاون مع نفوس أخرى من ذوي النّوايا الخيّرة، يُصمّمون على مساعدة المجتمع في وطنهم، ومدّ نطاق حلقة الألفة وتوسعة دائرة الوحدة؛ والسّعي لتطبيق التّعاليم البهائيّة لإصلاح العالم وإيجاد فضاءات مناسبة لمشاركة إخوانهم المواطنين ذوي النّوايا الحسنة بالخبرة الّتي اكتسبوها ويواصلون اكتسابها في هذا الدّرب؛ والمشاركة أكثر في حوارات المجتمع البنّاءة والمتنوّعة؛ وإظهار قابليّة الأبعاد المختلفة للصّلح والعدل للتّطبيق والاستخدام في هذا العصر النورانيّ، ملهَمين في ذلك بالتّعاليم الإلهيّة ومعتمدين على تجارب الجامعة. فليجسّدوا بسلوكهم وتصرفاتهم النّصائح الإلهيّة، وليصبحوا بأعمالهم خُدّامًا للعالم الإنسانيّ. وليولوا اهتمامًا خاصًّا بثقافة جامعتهم حتّى تصبح التّعاليم الإلهيّة أكثر ظهورًا وبروزًا في حياتهم الفرديّة والجماعيّة، وتتفتّح وتتكشّف أكثر فأكثر قدراتهم. إنّ ما يثير إعجابنا أنّ هؤلاء الأحبّاء، رغم القيود العديدة، واعون تمامًا لواجباتهم الرّوحانيّة، وهم يسعون على قدر وسعهم للاستفادة ممّا تعلّمه إخوانهم وأخواتهم في أنحاء العالم ومن الخبرة الّتي اكتسبوها.
وزينة ختام هذا الكلام بيان حضرة عبد البهاء الّذي كانت شعلة مثَله الأعلى في العام الماضي متّقدة في كلّ لحظة في قلوب وأفكار وأعمال أهل البهاء. خطاب موجز ألقاه ذلك الوجود النورانيّ في جمع من أحبّاء الله في الساعات الأخيرة من أسفاره المثمرة إلى أمريكا انتهت بالكلمات التّالية، لاحظوا بأيّ بيان بليغ وصف مركز الميثاق واستخلص كالشّهد المُصفّى أهداف البهائيّين الأبديّة ووظائف المؤمنين السّرمديّة:
"احصروا كلّ فكركم في إدخال البهجة إلى القلوب. حذار حذار أن تجرحوا قلب أحد. قدّموا العون لعالم البشر بأقصى ما في وسعكم. كونوا مصدر عزاء لكلّ محزون، ساعدوا كلّ ضعيف، وكونوا عونًا لكلّ محتاج. قدّموا الرّعاية لكلّ مريض، كونوا سببًا في عزّة كلّ ذليل، وأغيثوا كلّ ملهوف. وبالاختصار، ليكن كلّ واحد منكم سراجًا وهّاجًا بنور فضائل العالم الإنسانيّ. كونوا أمناء مخلصين أودّاء مفعمين بالعفـّة والطّهارة. كونوا نورانيّين، كونوا روحانيّين، كونوا ربانيّين، كونوا ماجدين، كونوا بهائيّين."
أيّها الأحبّاء الأودّاء، مع مُستهلّ العام الجديد، نبارك لكم أنتم الأعزّاء على قلوبنا ولجميع ذوي القلوب الطّاهرة في إيران، ونرفع الدّعاء في العتبات المقدّسة عسى أن تنتهي العداوات والنّزاعات، وتُشرق أنوار الصّلح والوئام، وتنصب خيمة الوحدة والاتّحاد في قطب الآفاق.
[التّوقيع: بيت العدل الأعظم]