[ترجمة]

نوروز 181

إلى أتباع الاسم الأعظم ومُعيني جمال القِدَم في أرض إيران المُقدّسة

الأخوات والإخوة قرّة أعيننا،

اليوم هو يوم النّوروز وأوان فصل الرّبيع المُحيي للقلوب.  إنّ هذا العيد القديم المجيد للإيرانيّين قد اكتسب مع ظهور حضرة بهاء الله رونقًا وألقًا جديدًا، لأنّه أصبح رمزًا لحلول موسم الرّبيع الإلهيّ، وتذكيرًا بالتّجديد والتّقليب والتّحوّل الّذي غدا أمرًا مُمكنًا بعد طلوع شمس الحقيقة في عالم الإنسان.  الحمدلله أنّكم أيّها الأعزّاء تصدحون بالنّغمات، في فصل الرّبيع الرّوحانيّ هذا، مثل الطّيور الشّجيّة الألحان الّتي ربّتها يد جمال المحبوب في حديقة العبوديّة والانجذاب، وقلوبكم مُشتعلة بنار المحبّة الإلهيّة وصدوركم منوّرة بمدد النّصائح الرّحمانيّة.  اعلموا علم اليقين أنّ هذا الجمع مشغول بذكركم في كلّ حين وآن والثّناء على استقامتكم في وجه المصائب الخارجة عن حدّ الإحصاء، ونلتمس في الأعتاب المقدّسة، في مستهلّ العام الجديد على وجه الخصوص، السّلامة والسّعادة الفعليّة والحرّيّة الحقيقيّة لأولئك الأعزّاء على قلوبنا وأرواحنا. 

نأمل أنّكم حتّى الآن قد اطّلعتم على الرّسالة الأخيرة الصّادرة من هؤلاء المشتاقين خطابًا لأهل البهاء في العالم الّتي تشرح وتُحلّل وقائع القرن الأوّل من عصر التّكوين وتصف تلك المائة سنة من الجدّ والجهد الّذي بذله أتباع الجمال الأبهى.  وبعد ذلك الحزن الّذي حرق القلوب والحيرة والذّهول المثير للألم الّلذين ابتليت بهما جامعة أهل البهاء بعد صعود مولاها الحنون حضرة عبد البهاء، وصلت هذه الجامعة نفسها الآن إلى مرحلة تخطّت مساعيها الاهتمام بالشّئون الدّاخليّة إلى التّركيز على المُساعدة في بناء المجتمع.  وعلى مدى هذا القرن وصل الأمر المُبارك إلى أهل العالم بالتّدريج، وأضحت جامعة الاسم الأعظم انعكاسًا لجمال العالم الإنسانيّ ورمزًا لفعاليّة الوحدة في التّنوّع والتّعدّد.  وفي كلّ مكان تعرّف النّاس على هذا الدّين، سرعان ما اعتبروه مُلكًا لهم، وسعوا أن يأخذوا نصيبهم من تعاليم أمر حضرة بهاء الله وقواه الرّوحانيّة من أجل تحقيق التّقدّم في حياتهم الفرديّة والجماعيّة بشكلّ عمليّ.  إنّ التّأمّل في عمليّة التّحوّل والتّقدّم هذه قد جعلت من القوى المكنونة في هذا الأمر المُبارك لتحقيق وحدة العالم الإنسانيّ وتأسيس الصّلح العالميّ أمرًا مشهودًا ومعلومًا.  وفي هذا القرن المشحون بالأحداث أظهر أتباع أمر الله التزامهم بعمليّة التّعلّم بكلّ وضوح، وسعوا لاستحكام المفاهيم الأساسيّة للعهد والميثاق، وتأسيس الجامعات البهائيّة وارتفاع أركان النّظم الإداريّ في أرجاء العالم، وبمدد من التّأييدات الرّبانيّة حقّقوا إنجازات قيّمة في هذا السّبيل.

إنّ نصيبًا مميّزًا من هذه الملحمة الرّوحانيّة يعود إلى العاشقين المُمتحنين من أبناء وطن الجمال المُبارك. ففي جميع الأحيان، كان أولئك الأعزّاء، سواء في نشر نفحات الله، وتأسيس مؤسّسات النّظم الإداريّ، والهجرة إلى مراكز بعيدة وقريبة، وتربية أجيال متعاقبة من المؤمنين ثابتي القَدَم، وتشويق وترغيب إخوانهم البهائيّين والمرتبطين بهم في أنحاء العالم على الخدمة، أو في المساهمة في أيّ درب للتّضحية والإيثار، يتقدّمون في طليعة الصّفوف الأماميّة.  فهنيئًا لكم أيّها الأعزّاء أنتم وأسلافكم وأجدادكم، أولئك الفرسان البواسل الّذين منذ بداية أمر الله وحتّى يومنا هذا جالوا على جواد الهمّة في ميدان الخدمة دونما توقّف، فعبرتم كلّ حاجز وعائق ونلتم أعلى درجات الأجر والفخار.

أحد المظاهر البارزة للعام الّذي انقضى للتّوّ هو الاهتمام الّذي أولاه النّاس، ليس في إيران فحسب بل في أقصى أصقاع المعمورة أيضًا، إلى السّيّدات البهائيّات العشر اللّواتي أسرعن قبل أربعين سنة إلى ميدان الفداء في مدينة شيراز المقدّسة.  إنّ تضحية تلكم العاشقات المخلصات لجمال المحبوب، بطبيعة الحال، هي رمزٌ لفداء جميع تلك النّفوس المظلومة المستنيرة الّذين وقفوا ثابتين راسخين في إيمانهم وتمسّكوا بالمبادئ والتّعاليم الإلهيّة لتحويل العالم، بل وحتّى قبلوا الشّهادة، وكتبوا صفحات التّاريخ بمداد العشق.  ورغم أنّه في ذلك الوقت كانت هذه البلايا تنزل في الخفاء بعيدًا عن عيون وأنظار معظم أهل وطنهم، بيد أنّ الإيرانيّين الآن على اطّلاع بما ورد ويرد على أعضاء الجامعة البهائيّة، ويعتبرونهم حُماة الصّدق والنّزاهة، ويعلمون جيّدًا أنّهم يتحمّلون هذا الظّلم السّائد واسع الانتشار من أجل الفوز بالمُثُل الإنسانيّة العليا وفي سبيل خدمة إيران والعالم بأسره.

وكما ذكرنا سابقًا، فإنّ شعوب العالم اليوم، ومن جملتهم شعب إيران، يُشاركونكم بأكثر ممّا مضى أمانيهم وأهدافهم وتوقّعاتهم لمستقبلهم الجماعي ويماثلونكم في العديد من تطلّعاتكم ومُثُلكم العليا، ومختلف طبقات المجتمع في العالم يتوقون، قلبًا وفكرًا، للمساواة والعدالة وبناء مجتمع قائم على الخصائل الأخلاقيّة والفضائل الإنسانيّة الممدوحة.  وإلى جانب المُثُل العليا والتّطلّعات المُشتركة، فإنّ شعوب العالم اليوم تُصارع أكثر ممّا مضى في البحث عن حلول فعّالة وعمليّة لإصلاح مجتمعهم، إلّا أنّ كلّ مدرسة للفكر، سياسيّة كانت أم اقتصاديّة، تشعر بالفشل والإحباط لدى مواجهة حجم وطبيعة التّحدّيات وتعقيدها وترابطها.  وحتّى أنّ مروّجيها أنفسهم واقعون أيضًا في الحيرة والارتباك.  وبغضّ النّظر عن البصائر النّافعة الّتي قد تتضمّنها هذه المدارس الفكريّة، فإنّ الافتراضات الّتي يقوم عليها النّظام العالميّ الحاليّ– بدءًا من طبيعة وهويّة الإنسان وصولًا إلى وجهات النّظر المتعلّقة بالقوّة والمنافسة– غير ملائمة ولا كافية لبشريّة تقف اليوم على عتبة بلوغها الجماعيّ.  وبالتّالي، فإنّ العالم يواجه أزمة عميقة واسعة المدى مزّقت وزلزلت نظامه.  ورغم أنّ هذه الأزمة ليست جديدة، وأسبابها ليست بخافية على أهل البهاء، إلّا أنّ نتائجها المدمّرة وما يترتّب عليها من فوضى وارتباك لهي ظاهرة مشهودة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى.  يتفضّل حضرة بهاء الله قوله الأحلى:

نُشاهد بوضوح كيف أحاطت بالعالم من كلّ الجهات البلايا العظيمة والرّزايا العديدة.  ونرى العالم طريح فراش المرض تبرحه الآلام، ووقف أولئك الّذين أسكرهم غرور النّفس والهوى حائلًا بين هذا المريض وذلك الطّبيب الحاذق.  فانظروا كيف أوقع هؤلاء النّاس جميعًا، بما فيهم أنفسهم، في حبائلِ مكائِدهم.  فهم عاجزون عن اكتشاف علّة المرض، لا يعلمون كيف يصفون الدّواء، ينظرون إلى ما استقام من الأمور فيرونه معوجًّا، ويتراءى لهم الصّديق فيحسبونه عدوًّا.

فلا عجب إذن، أنّه نتيجة لهذه الأزمة يزداد النّزاع والخلاف بين الملل، والحرب والجدال بين الدّول يومًا بعد يوم، ويغدو كلّ قلب طاهر وضمير مستنير مثقلًا بالغمّ والحزن.  ومع أنّ العديد من النّفوس غارقة في بحر اليأس والقنوط، إلّا أنّ جمًّا غفيرًا من النّاس ذوي النّوايا الحسنة يسعون بكلّ إخلاص ومن صميم قلوبهم إلى إيجاد التّرياق ويجهدون بكلّ شوق وتوق في البحث عن العلاج.  إنّ أهل البهاء، ببركة الآيات الإلهيّة ومدد الرّؤية والبصيرة الّتي اكتسبوها من التّبيينات الفريدة لحضرة عبد البهاء وحضرة شوقي أفندي، مطّلعون على سبب ما يجري في الدّنيا من أحداث ويفهمون معناها ومغزاها.  كما أنّهم مدركون تمامًا ما شخّصه الطّبيب المعصوم وما وصفه من علاج، ومتنبّهون إلى الاتّجاه الّذي تسير فيه عمليّة بلوغ الجنس البشريّ رغم مدّها وجزرها المحتوميْن.  لقد اكتسبوا خبرة قيّمة من مساعيهم التّاريخيّة والحديثة الّتي بذلوها في مساعدة عمليّة التّحوّل والتّقدّم وتحقيق وحدة الجنس البشريّ، وهم الآن مستعدّون ومتشوّقون لمشاركة الجميع بمقارباتهم العمليّة والدّروس الّتي تعلّموها بكلّ صدق وإخلاص.

إنّه لمن الواضح والمُبرهن لدى المؤمنين أنّ أسّ أساس تعاليم حضرة بهاء الله هو تأسيس الصّلح العموميّ المُقدّر له أن يُشيّد على قاعدة وحدة واتّحاد جميع الأمم وعلى أساس العدل الأعظم.  تفكّروا في هذه البيانات المباركة لجمال القِدَم حيث يتفضّل قائلًا "المقصود هو إصلاح العالم وراحة الأمم، لا يمكن تحقيق إصلاح العالم وراحة الأمم إلّا بالاتّحاد والاتّفاق، وهذا لن يتحقّق إلّا بنصائح القلم الأعلى."  ويتفضّل أيضًا "لقد خُلق الجميع من أجل إصلاح العالم."  وكذلك "انشغلوا في جميع الأحوال بما هو سبب راحة واطمئنان الخَلق، وابذلوا الهمّة في تربية أهل العالم عسى أن يزول النّفاق والاختلاف من بين الأمم بقوّة الاسم الأعظم، ويُرى الكلّ أهل بساط واحد ومدينة واحدة."  وهكذا يُنذر حضرته " لا تنهمكوا في شئون أنفسكم بل فكّروا في إصلاح العالم وتهذيب الأمم."

في هذا اليوم، إنّ الوظيفة الرّوحانيّة والمسئوليّة الأخلاقيّة لكلّ نفس واعية هي خدمة قضيّة السّلام ووحدة العالم.  وكلّ عضو من العائلة البشريّة له سهم ونصيب في هذه المهمّة.  وكلّ فرد يمتلك القوّة والقدرة ليضطلع بدوره في تطهير قلبه وصقل مرآة فؤاده من غبار التّعصّبات من جهة، وفي إيجاد الأوضاع الاجتماعيّة من أجل السّلام والوحدة من جهة أخرى.  وكلّ نفس قادرة على ترويج ثقافة السّلام والوحدة في تعاملها مع الأصدقاء والغرباء على السّواء، ونيّة كهذه ستجذب في هذا اليوم التّأييدات الإلهيّة.  ونتيجة لذلك، ستقوم النّفوس بإلهام بعضها بعضًا، وبثّ الصّبر والتّحمّل فيما بينها عند مواجهة الصّعاب، وسيكون كلّ واحد منها عونًا للآخر في التّصدّي للمشاكل وحلّها، وستوجد الألفة والتّكافل، وتتقدّم على درب بنّاء نحو مستقبل مُشرق وضّاء.  وهذا ما يتفضّل به حضرة عبد البهاء: "... يجب أن يتأسّس الصّلح والسّلام بين أفراد البشر أوّلًا، حتّى يُفضي إلى الصّلح العموميّ في النّهاية.  إذن فيا أيّها البهائيّون؛ لا تدّخروا جهدًا في نشر المحبّة الحقيقيّة والألفة الرّوحانيّة والارتباط المُحكم، بين آحاد النّفوس بقوّة الكلمة الإلهيّة – تلكم هي مهمّتكم."

الحمد لله أنّ أتباع الاسم الأعظم في أرجاء العالم على دراية بهذا الواجب، ويبذلون أقصى الجهد ليضطلعوا بهذه المسؤوليّة الخطيرة في جميع الأحيان وفي كلّ مكان وفي حدّ الإمكان، وليتعلّموا كيف يتعاونون ويرافقون من يماثلونهم في الفكر والمتعاطفين معهم في تنشئة ورعاية جامعات يُمكنها أن تُظهر المبادئ الأساسيّة للسّلام ومقتضيات تحقيق الألفة والوحدة والاتّحاد.  جامعات كهذه تسعى بجدّ لتجسيد مبدأ مساواة الرّجل والمرأة عمليًّا؛ وهي ملتزمة بمحوريّة العدل والإنصاف؛ وتعمل جاهدة لإيجاد التّوافق والاتّحاد في التّنوّع والتّعدّد؛ وتجعل المشورة محورًا لصنع القرار الفرديّ والجماعيّ، ومزيلةً للنّزاع والخصام، وبانيةً للتّوافق والانسجام؛ وتروّج التّعاون والتّعاضد الاقتصاديّ بين الأفراد؛ وتُعلّم الأطفال والشّباب النّاشئ التّحرّر من التّعصّبات والأحقاد، وتعتبر الشّباب في طليعة تقدّم وتحوّل المجتمع؛ وتنظر إلى المبادئ الرّوحانيّة والأخلاقيّة كأساس لعزّة الإنسان ولكلّ أنواع التّقدّم والتّطوّر.  وبهذه الطّريقة تنشر ثقافة السّلام والوفاق.  إنّ المشاركة في الحوارات حول السّلام والوحدة بجوانبها المتعدّدة هي طريقة أخرى يُساعد بها أتباع حضرة بهاء الله النّفوس لكي ينظروا إلى المستقبل برؤية تتجاوز التّحدّيات والمحدوديّات الّتي تواجه المجتمع اليوم، وتعمل معًا لإحراز فهم أفضل للمتطلّبات الأساسيّة لمجتمع يسوده السّلام ويطبّقوها عمليًّا على أرض الواقع.  إنّ تفصيل وتوضيح وجهة نظر الدّين البهائيّ فيما يتعلّق بالسّلام العالميّ خارج عن نطاق هذه الرّسالة، ولكنّنا نأمل أن تكون رسالتنا المؤرّخة 18 كانون الثّاني/يناير 2019 الموجّهة إلى البهائيّين في العالم بهذا الصّدد ذات عون لكم أيّها الأعزّاء.

لاشكّ أنّكم، عُشّاق حضرة مولى الورى، ستواصلون خلال هذا العام الجديد تحقيق آمال حضرته، وستبقون موفّقين ومؤيّدين، مطمئنّين ومستبشرين في هذا السّبيل:

أملي أن تكون هذه السّنة الجديدة مباركة وسعيدة، وسبب حصول التّأييد والتّوفيق الشّديد، حتّى تُصبحوا علّة اتّحاد العالم، وتُعلنوا وحدة العالم الإنسانيّ، فتحيلوا الأعداء أصدقاء وتجعلوا المحرومين محرم أسرار الصّلح الأكبر.

[التّوقيع: بيت العدل الأعظم]