[ترجمة]
رضوان 2013
إلى البهائيّين في العالم
الأحبّاء الأعزّاء،
"قد ظهر كتابُ اللّه ونطقتِ الكلمةُ". بهذا البيانِ المنعشِ للأرواح يصف القلمُ الأعلى ظهورَ يوم اللّقاء ويومِ الحصاد. ويسترسل حضرةُ بهاء اللّه بقوله: "يا أحبّاءَ اللّه، اسمعوا نداءَ المظلوم وتمسّكوا بما هو سببُ ارتفاعِ أمر الله." ويَمضي في نصح أتباعِهِ قائلًا: "تمسّكوا بالمشورة بكمال الرَّوْحِ والرّيحان، واصرفوا أعمارَكم النّفيسة في إصلاح العالم وانتشارِ أمرِ مالكِ القِدَم."
شركاءَنا في العمل الأعزّاء: هذا البيانُ المحرّكُ للمشاعر إنّما يتبادرُ إلى الذّهن تلقائيًّا لدى مشاهدتنا جهودَكم المخلصةَ حول العالم تلبيةً لنداءِ حضرةِ بهاء اللّه. فاستجابةُ النّاس الباهرةُ لندائه مشهودةٌ في جميع الأطرافِ والأكنافِ بحيث يستحيلُ على النّفوس الّتي تتفكّر وتتأمّلُ في تكشُّفِ الخطةِ الإلهيّة وتقدُّمِها أن تتجاهلَ تأثيرَ قوّةِ الكلمة الإلهيّة الغالبةِ على قلوبِ النّساء والرّجال، والأطفال والشّباب، في قطرٍ تِلْوَ قطر، وفي مجموعة جغرافيّة تِلْوَ أخرى.
إنّها جامعةٌ منتشرةٌ في جميع أرجاء العالم، تعملُ على صقل قدرتِها من أجل أن تقرأَ واقعَها الحالي، وتُحلّلَ إمكانيّاتِها، وتوظّفَ أساليب وأدوات خطّة السّنوات الخمس بكلّ حصافة. وكما كان منتظرًا، فإنّ الخبرةَ تتراكمُ بسرعة أكبر في المجموعات الجغرافيّة الّتي يتمّ فيها توسيعُ آفاقِ التّعلُّمِ بكلّ وعي. في مجموعات جغرافيّة كهذه فإنّ الوسائلَ المتاحةَ لتمكين أعدادٍ متزايدةٍ من الأفراد من تعزيز قدرتِهم على الخدمة قد غدتْ مفهومةً تمامًا. فالمعهدُ التّدريبيّ النّبّاضُ بالحيويّة والنّشاط يعمل كدُعامةٍ أساسيّة لجهود الجامعة من أجل تقدّم الخطّة، والمهاراتُ والقدراتُ الّتي تطوّرت عن طريق المشاركة في دورات المعهد تُوظَّفُ في الميدان بأسرع ما يمكن. فالبعض، من خلال تفاعلاتهم الاجتماعيّة اليوميّة، يقابلون نفوسًا مستعدّة لبحث أمورٍ روحانيّةٍ بوضعيات مختلفة؛ والبعضُ الآخر يمكنهم تلبيةُ الاستعدادِ الرّوحانيّ للأفراد في القرى والأحياء وربّما ينتقلون للإقامة في تلك المناطق. وعدّةٌ عديدةٌ أخرى يأخذون على عواتقهم مسؤوليّاتٍ مختلفةً فينضمّون إلى صفوف الّذين يخدُمون مرشدين ومحرّكين ومعلّمين لصفوف الأطفال؛ أو إلى الّذين يعملون في الإدارة والتّنسيق؛ أو إلى الّذين يَجْهَدون في دعم العمل القائم بطرق أخرى. إنّ التزامَ الأحبّاء بالتّعلُّمِ يتجلّى من خلالَ استدامةِ مساعيهم الفرديّةِ واستعدادِهِم لمرافقة الآخرين في جهودهم. علاوةً على ذلك، فإنّهم يضعون نُصبَ أعينهم المنظوريْن المتكامليْن لنمط العمل النّاشئ في المجموعة الجغرافيّة: أحدُهُما دوراتُ النّشاط ذات الثّلاثة أشهر، النّبضُ المُنْتَظَمُ لبرنامج النّموّ، والآخرُ المراحلُ المتمايزةُ لعمليّة التّعليم للأطفال، وللشّباب النّاشئ، وللشّباب والبالغين. وبينما يُدركُ الأحبّاءُ بوضوح العلاقة الّتي تربط بين هذه المراحل الثّلاثة، فإنّهم يعلمون بأنّ لكلّ منها ديناميكيّاتِها ومتطلّباتَها وميّزاتِها الخاصّة بها. وفوق ذلك كلّه، فإنّهم واعون بفعاليّة القوى الرّوحانيّة العظيمة الّتي يمكن ملاحظةُ آثارها في الإحصاءات الكميّةِ لتقدُّمِ الجامعة وفي مجموعة القصص الّتي تحكي عن إنجازاتها. وممّا يبعث على الأمل بشكلٍ خاصّ هو أنّ كثيرًا من هذه الخصائص البارزة المميَّزة الّتي تَسِمُ المجموعاتِ الجغرافيّةَ الأكثرَ تقدّمًا، تتجلّى أيضًا في جامعاتٍ لا تزال في بواكير مراحل نموّها وتطوّرها.
ومع ازدياد خبرة الأحبّاء، تزدادُ قدرتُهُم على ترويج نَمَطٍ غنّيّ متشابكٍ رائع من الحياة في المجموعة الجغرافية، نَمطٍ يستوعب المئاتِ بل وحتّى الآلافِ من النّاس. كم سُعِدْنا بمشاهدة البصائر العديدة الّتي يكتسبها المؤمنون من مساعيهم. على سبيل المثال، إنّ التّقدّمَ التّدريجيّ للخطّة على مستوى المجموعة الجغرافيّة هو عمليّةٌ ديناميكيّةٌ ومعقّدة بالضّرورة ولا يمكن اعتبارُها ظاهرةً بسيطة؛ وإنّ هذه العمليّة تتقدّم مع ازدياد القدرة على إعداد الموارد البشريّة وحُسن تنسيق وتنظيم أعمال القائمين على الخدمة في آن معًا؛ وإنّه مع ازدياد هذه القدرات، يغدو إدماجُ طيف أوسع من المبادرات أمرًا ممكنًا؛ وإنّ إضافةَ عنصرٍ جديدٍ إلى الخطّة تتطلّبُ إيلاءَهُ عناية خاصّة لبعض الوقت، إلّا أنّ هذه العنايةَ لا تنتقصُ بأيّ وجه من الوجوه من أهميّة الجوانب الأخرى من المساعي الرّامية لبناء الجامعة، لأنّه إذا ما أُريدَ للتّعلُّمِ أن يكون نمطَ عمل الجامعة ينبغي التّنبُّهُ للإمكانات الّتي تقدِّمها أيُّ أداة من أدوات الخطّة يتبيّنُ أنّها تناسبُ بشكلٍ خاص فترةً معيّنةً من الزّمن وتوظيفَ طاقةٍ أكبرَ في تطويرها إذا استلزم الأمر ذلك، إلّا أنّ هذا لا يعني بالضّرورة أن ينشغلَ كلُّ شخص بنفس الجانب من الخطّة؛ وأنّه ليس ضروريًّا أن يُوجَّهَ التّركيزُ الرّئيسيُ لمرحلة التّوسّع في كلّ دورة من دورات برنامج النّموّ لنفس الهدف، فقد تستدعي الظّروفُ في دورة معيّنة مثلًا أن ينصبَّ الاهتمامُ على دعوة النّفوس لاعتناق أمر الله من خلال جهودٍ تبليغيّةٍ مكثّفة فرديّةٍ أو جماعيّة، وفي دورةٍ أخرى قد يكون هذا التّركيزُ موجَّهًا نحو مضاعفة نشاطٍ معيّنٍ من الأنشطة الأساسيّة.
علاوةً على ذلك، فإنّ الأحبّاء يُدركون أنّ عمل أمر الله هو قبل كلّ شيء ظاهرةٌ عضويّة، يتقدّم في مناطق مختلفة بسرعات متفاوتة لأسبابٍ وجيهة، لهذا فإنّهم يبتهجون ويتشجّعون بأيّ تقدُّمٍ يرونه. وفي الواقع، إنّهم يثمّنون الفائدة الّتي تتأتّى عن مساهمة كلّ فرد في تقدّم الكلّ. وعليه، فإنّ الخدمةَ الّتي يُقدّمها كلّ واحد منهم وفق الإمكانيّات الّتي تتيحُها ظروفُه الشّخصيّةُ تَلقَى ترحيبًا من الجميع. إنّ اجتماعاتِ المراجعةِ والتّقييم تُعتبر، وعلى نحو متزايد، مناسباتٍ تكون فيها جهودُ الجامعة بمجملها محطَّ مداولاتٍ ومشاوراتٍ جادّةٍ منعشةٍ للأرواح، حيث يطّلعُ المشاركون فيها على مُجمل الإنجازات، ويفهمون مغزى مساعيهم في ضوء ذلك، ويُعزّزون معرفتَهُم بعمليّة النّموِّ من خلال الأخذِ بنصائح المؤسّسات والاستفادةِ من تجارب زملائهم المؤمنين. إنّ تجاربَ كهذه يتمّ تبادُلُها أيضًا في فضاءات عديدة أخرى تُعقد بهدف المشورة بين الأحبّاء المنهمكين في مساعٍ محدّدة، سواء كانوا يتابعون خطَّ عملٍ مشترك أو يخدُمون منطقةً معيّنةً من المجموعة الجغرافيّة. وجميعُ هذه البصائر تعتبر جزءًا من إدراكٍ أوسعَ ألا وهو أنّ التّقدُّمَ يُحرَزُ بشكلٍ أسهلَ بكثيرٍ في بيئة مُفْعَمة بالمحبّة، فالعيوبُ يتمّ التّغاضي عنها بحِلمٍ وأناة، والعقباتُ يتمّ تجاوُزُها بصبرٍ وجلَد، والمقارَباتُ المجرَّبةُ يتمّ تبنّيها بكلّ حماس. وهكذا، فمن خلال هداية المؤسّسات ووكالات أمر الله العاملةِ في مختلف المستويات، فإنّ جهودَ الأحبّاء، مهما كانت متواضعةً على الصّعيد الفرديّ، تتضافرُ معًا في جهد جماعيّ لضمان سرعة التّعرّف على الاستعداد الرّوحانيّ لتقبُّلِ نداء الجمال المبارك ورعايته بفاعليّة. من البديهيّ أنّ المجموعةَ الجغرافيّةَ الّتي تتوفر فيها هذه الشّروطُ تكون مكانًا تنشأ وتتطوّر فيه العلاقات بين الفرد والمؤسّسات والجامعة، أنصار الخطّة الثّلاثة، بشكلٍ سليم.
بالنّظر إلى هذه النّشاطات النّاجحة، هناك نقطةٌ جديرةٌ بالاهتمام على وجه الخصوص. ففي رسالة الرّضوان الموجّهة إليكم قبل ثلاث سنوات، أعربنا عن الأمل بأن يسعى الأحبّاء في المجموعات الجغرافيّة، الّتي يجري فيها برنامج مكثّف للنّموّ، إلى تعلّمِ المزيد عن طرق بناء الجامعة من خلال تأسيس مراكزَ للنّشاط المكثّف في الأحياء والقرى. إنّ الإنجازات قد فاقت تطلّعاتنا، لأنّه حتّى في المجموعات الجغرافيّة الّتي لم يصلْ فيها برنامج النّموّ إلى درجة التّكثيف بعد، فإنّ جهود قلّة من الأشخاص للشّروع بنشاطات أساسيّة مع السّكّان المقيمين في منطقة صغيرة قد أثبتت جدواها مرّة تلو أخرى. إنّ هذه المقاربة في جوهرها تركّز على الاستجابة لتعاليم حضرة بهاء الله من قِبل السّكّان المستعدّين للتّحوّلِ الرّوحانيّ الّذي يعزّزه ظهور حضرته. فمن خلال مشاركتهم في العمليّة التّعليميّة الّتي يروِّج لها المعهد التّدريبيّ، فإنّهم مستعدّون للتّخلّي عن الفتور واللّامبالاة الّتي غرستها قوى المجتمع في أذهانهم، واتّباع، عِوَضًا عن ذلك، أنماطَ عملٍ ثبُتت قدرتها على إحداث تحوّل في حياتهم. وفي حيٍّ أو قرية تقدّمت فيها هذه المقاربة لبضع سنوات، وحافظ الأحبّاء فيها على تركيزهم، أخذت تظهر بالتّدريج نتائج لافتة للنّظر لا تُخطئها العين. فجرى تمكينُ الشّباب للاضطلاع بمسؤوليّتهم نحو تقدّم مَنْ هم حولهم من شباب يصغرونهم سنًّا. كما ترّحب الأجيال الأكبر بمساهمة الشّباب في مناقشات هادفة حول شؤون الجامعة بأكملها. إنّ الانضباط الّذي تحقّق من خلال العمليّة التّعليميّة للجامعة، يعمل على بناء القدرة على المشورة لدى الجميع شيبًا وشبّانًا على حدٍّ سَواء، وتبرز فضاءاتٌ جديدة للحوار الهادف. ومع ذلك، فإنّ التّغيير والتّحوّل ليس مقصورًا فقط على البهائيّين والأفراد الآخرين المنخرطين في النّشاطات الأساسيّة للخطّة والّذين يُتوقّع منهم منطقيًّا أن يتبنّوْا طرق تفكيرٍ جديدةٍ بمرور الوقت؛ فجوُّ المكان بحدّ ذاته يتأثّر، وموقفٌ تعبُّديٌّ يأخذ بالتّشكّل لدى طيفٍ واسعٍ من السّكّان، ومظاهرُ التّعبير عن المساواة بين الرّجل والمرأة تصبح أكثرَ وضوحًا، وتعليمُ الأطفال من الذّكور والإناث يحظى باهتمام أعظم، وطابَع العلاقات داخل العائلة الّذي شكّلته افتراضاتٌ عفا عليها الزّمن يتغيّر بشكلٍ ملموس، ويسودُ شعورٌ بالمسؤوليّة تجاه المجتمع المحلّيّ والبيئة المحيطة بالفرد. حتّى إنّ آفةَ التّعصّب الّتي تخيّم بظلالها المشؤومة على كلّ مجتمع، تبدأ بالاستسلام لقوى الوحدة والاتّحاد الغالبة. وقُصارى القول، فإنّ عمل الأحبّاء في بناء الجامعة إنّما يؤثّر على مختلف جوانب الثّقافة.
وفي حين واصلت عمليّتا التّوسّع والاستحكام تقدّمهما المطّرد خلال السّنة الماضية، فقد تقدّمت أيضًا مجالات نشاط مهمّة أخرى، وغالبًا ما كان ذلك يجري على نحوٍ موازٍ وثيق. وأبرز مثال على ذلك هو أنّ التّقدّم في مستوى الثّقافة الّذي يُشاهَد في بعض القرى والأحياء يُعزَى بحدٍّ ليس بالقليل إلى التّعلّم النّاشئ من انخراط البهائيّين في العمل الاجتماعيّ. لقد أعدّ مكتبُنا للتّنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة مؤخّرًا وثيقة بهذا الخصوص تضمّ عُصارةَ ثلاثين سنة من الخبرة المتراكمة في هذا المجال منذ تأسيس ذلك المكتب في المركز البهائيّ العالميّ. ومن بين الملاحظات الّتي أوردتها الوثيقة أنّ الجهود المبذولة للمشاركةَ بالعمل الاجتماعيّ إنّما تتلقّى دفعةً حيويّة من المعهد التّدريبيّ. ولا يكون هذا من خلال زيادة الموارد البشريّة الّتي يرعاها المعهد فحسب، فالبصائر الرّوحانيّة والصّفات والمقدرات الّتي تنمّيها عمليّة المعهد ثبت أنّها أساسيّة للمشاركة في العمل الاجتماعيّ تمامًا كما هي ضروريّة للمساهمة في عمليّة النّموّ. وعلاوة على ذلك، توضّح الوثيقةُ كيف أنّ ميادين المساعي المتميّزة للجامعة البهائيّة يحكمها إطارُ عملٍ مفاهيميّ مشترك دائمِ التّطوّر يتشكّل من عناصرَ تعزّزُ بعضَها البعض، وإن اختلفت صور التّعبير عنها في ميادين العمل المتنوّعة. لقد أرسلنا الوثيقةَ المذكورةَ إلى المحافل الرّوحانيّة المركزيّة مؤخّرًا، وندعوهم، بالتّشاور مع المشاورين، للتّفكير في الكيفيّة الّتي يمكن أن تسهم بها المفاهيم الّتي تتناولها الوثيقة في تعزيز الجهود الجارية في مجال العمل الاجتماعيّ في المناطق الواقعة تحت إشرافها، وفي رفع مستوى الوعي بهذا البُعد الهامّ من النّشاط البهائيّ. ولا ينبغي أن يُفسَّر ذلك على أنّه دعوةٌ عامّةٌ لنشاط واسعِ النّطاق في هذا المجال- إذ إنّ ظهور العمل الاجتماعيّ يحدث بشكل طبيعيّ مع اشتداد عود جامعة نامية- بيد أنّ الوقتَ قد حان ليفكّر الأحبّاءُ مليًّا في آثار مساعيهم الرّامية إلى تحوّل المجتمع. إنّ الفورةَ في التّعلّمِ الجاريةَ في ميدان العمل الاجتماعيّ تَزيد من أعباء مكتب التّنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة، ولهذا يجري اتّخاذُ خطوات لضمان تطوّر عمل هذا المكتب بما يتناسب مع ذلك.
إحدى السّماتِ البارزةُ في الاثني عشر شهرًا الماضيةِ كانت تكرارَ ذكرِ اسم الجامعة البهائيّة فيما يتعلّق بالجهود العديدة المتنوّعة الرّامية إلى إصلاح المجتمع والتّعاون مع الجهات الّتي تماثلُها في الأفكار. فقد عبّر قادةُ الفكر في مختلف شرائح المجتمع، بِدءًا بالمحافل الدّوليّة إلى القاعدة الشّعبيّة في القرية، عن إدراكهم بأنّ البهائيّين لا يتمنَّوْنَ صلاحَ البشريّة من كلّ قلوبهم فحسب، بل يملكون تصوّرًا واضحًا ووسائلَ فعّالةً لتحقيق تطلّعاتهم. كما جاءت أيضًا تعبيراتٌ عن التّقدير والمؤازرة من بعض الجهات الّتي لم تكن متوقَّعَةً في السّابق. فعلى سبيل المثال، حتّى في مهد أمر الله، رغم ضخامة العراقيل الّتي يضعها الظّالمون في طريق الجامعة البهائيّة، يتمّ الاعترافُ بالبهائيّين بشكل متزايد لما تحمله رسالةُ حضرة بهاء اللّه من تأثيراتٍ عميقة على مستقبل بلدهم، ويُحتَرَمون لعزمهم الرّاسخ في المساهمة بتقدّم وطنهم.
إنّ معاناةَ الأحبّاء الأوفياء في إيران، خاصّة منذ العقود الّتي بدأت فيها الموجةُ الأخيرةُ من الاضطهادات، قد حَفَزَت إخوتَهم وأَخَواتِهِم في بلدانَ أخرى لينبروا للدّفاع عنهم. فمن بين المواهب الجزيلة الّتي أُسبغت على الجامعة البهائيّة في جميع أنحاء العالم بفضل هذه الاستقامة البنّاءة، تأسيس شبكةٌ مرموقةٌ من المكاتب المتخصّصة على الصّعيد المركزيّ والّتي أثبتت قدرتَها على إقامة علاقات مع الحكوماتِ ومنظّماتِ المجتمع المدنيّ على نحو منهجيّ. وبموازاة التوسّع في هذه المكاتب، ساهمت عمليّاتُ الخطط المتعاقبة في صقل مقدرة الجامعة على المشاركة في الحِوارات السّائدة الّتي تجري في فضاءات مختلفة، من أحاديثَ شخصيّةٍ إلى منتدياتٍ عالميّة. وعلى مستوى القاعدة، فإنّ هذا العملَ يتّسع بشكل طبيعيّ عن طريق نفس المقاربة العضويّة الّتي تؤدّي إلى زيادة انخراط الأحبّاء في العمل الاجتماعيّ تدريجيًّا، ولا داعي لبذل محاولة خاصّة لتحفيزه. أمّا على المستوى المركزي، فإنّ المشاركةَ في الحوارات السّائدة قد أصبحت غالبًا محطّ اهتمام هذه المكاتب الّتي تعمل حاليًّا في عشرات الجامعات المركزيّة، وتقوم بنشاطاتها وفقًا لنمط مؤثّر مألوف من العمل، والمراجعة والتّقييم، والمشورة، والدّراسة. ولتعزيز جهود كهذه، ولتسهيل التّعلّم في هذا المجال، ولضمان اتّساق هذه الخطوات مع مساعي الجامعة البهائيّة الأخرى، أسّسنا في المركز البهائيّ العالميّ حديثًا "مكتبَ الحوارات العامّة" حتى يتولّى مساعدةَ المحافل الرّوحانيّة المركزيّة في هذا الميدان عن طريق تعزيز وتنسيق الأنشطة بشكل تدريجيّ والعمل على مَنْهَجَة الخبرة.
وهناك تقّدّمٌ مشجّع يجرى في مجالات أخرى أيضًا؛ ففي سنتياغو/ تشيلي، يجري العمل على تشييد أمِّ المعابد في أمريكا الجنوبيّة على قدمٍ وساق. لقد تمّ الانتهاء من صبّ الأساسات، وإكمال طابق التّسوية، ونَفَق الخدمات، والأعمدة الّتي سيقوم عليها المبنى الأصليّ. إنّ مشاعرَ التّرقّب والإثارة المصاحبة لمشروع مشرق الأذكار هذا في تزايُدٍ مستمرّ، وهناك شعور مماثل يسود في الدّول السّبع المزمع تشييد مشارق أذكار محلّيّة أو مركزيّة فيها. ففي كلّ بلد منها بدأت التّحضيراتُ اللّازمة، وبوشر باستخدام التّبرعات المقدَّمة من الأحبّاء لصندوق مشارق الأذكار؛ إلّا أنّ الإجراءات العمليّة من قبيل شراءِ الأرض وإعدادِ تصاميم البناء وتأمينِ الموارد الماليّة اللّازمة لا تمثّل سوى جانبٍ واحدٍ من شغل الأحبّاء. فمهمّتهم روحانيّة أساسًا تشارك فيها الجامعة برمّتها. ويشير حضرة عبد البهاء إلى مشرق الأذكار بأنّه "مغناطيس التّأييد الإلهيّ"، و "أساس اللّه العظيم"، و "الرّكن الرّكين لدين اللّه". ففي أيّ مكان يتأسّس هذا البُنيانُ العظيم، سيكون بطبيعة الحال جزءًا لا يتجزّأ من عمليّة بناء الجامعة المحيطة به. إنّ الوعيَ بهذه الحقيقة آخذ في الازدياد لدى أفراد المؤمنين في تلك المدن الّتي من المقرّر أن تُشيَّدَ فيها مشارق الأذكار. والأحبّاء في هذه المناطق يدركون بأنّ حياتَهم الجماعيّةَ ينبغي أن تعكس على نحو متزايد اتّحادَ العبادة والخدمة، هذا الاتّحادُ الّذي يُجسّدُهُ مشرقُ الأذكار.
نرى الجامعةَ البهائيّة تتقدّم في كلّ ميدان من الميادين المختلفة بخطى ثابتة، متوسّعةً في مداركها، توّاقةً لاكتساب بصائرَ مُستقاةٍ من التّجربة، مستعدّةً للقيام بواجباتٍ جديدةٍ عندما تسمح مواردُها بذلك، سريعةَ الاستجابة للاحتياجات الجديدة، واعيةً بالحاجة إلى ضمان الاتّساق بين مختلف ميادين النّشاط الّتي تشارك فيها، ومكرِّسةً نفسَها تمامًا للإيفاء بمهمّتها. إنّ حماسها وتفانيها يتجليّان في اللّهفة العارمة الّتي ولّدها الإعلانُ عن انعقاد خمسةٍ وتسعين مؤتمرًا للشّباب في جميع أنحاء العالم قبل شهرين. فسرورُنا الغامرُ ليس مردُّهُ استجابةَ الشّبابِ أنفُسِهِم فحسب، بل أصواتَ الدّعمِ الّتي ارتفعت من زملائهم المؤمنين الّذين يدركون كيف أنّ أتباعَ حضرةِ بهاء اللّه الأصغر سنًّا يعملون بمثابة محفّز حيويّ لهيكل أمر الله بكامله.
قلوبُنا مفعمةٌ بالأمل بما نراه من شواهد متتالية على انتشار رسالة حضرة بهاء اللّه الشّافية، واتّساعِ نطاقِ تأثيرها ونفوذها، وازديادِ الوعي بما تكتنزه من مُثُلٍ عُليا. في موسم الأعياد هذا دعونا نفرح بذكر أيّام فيها ظهر "الفرحُ الأعظم"، أيّامِ عيد الرّضوان قبل قرن ونصف من الزّمان الّتي أعلن الجمالُ الأقدس الأبهى فيها عن دعوته لأوّل مرّة لأصحابه في "حديقة النّجيبيّة". فمن تلك البقعة المقدّسة، انتشرت كلمة اللّه في المدن والدّيار وفي البرّ والبحر تدعو البشريّةَ إلى لقاء ربّها. ومن هذه الثّلّة الأولى النّشوى من مُدام العشق الإلهيّ ظهرت جامعةٌ متنوّعة ذات هدف، وتفتّحت كأزهار مختلفة الألوان في البستان الّذي تعهّدته يدُ العناية الإلهيّة. ومع مرور كلّ يوم، تتوجّه نحو مرقده الأطهر أعدادٌ متناميةٌ من النّفوس الّتي بُعثت من جديد رافعةً أكّفَّها بالدّعاء والمناجاة، ونحن أيضًا في نفس هذا المقام الأطهر، وإحياءً لذكرى ذلك اليوم المبارك، نضع رؤوسنا على عتبته المقدّسة بكلّ تضرّع وابتهال شاكرين وممتنّين لكلّ المواهب الّتي أسبغها حضرته على جامعة الاسم الأعظم.
[التّوقيع: بيت العدل الأعظم]