[ترجمة]
31 كانون الأوّل/ديسمبر 2025
إلى مؤتمر هيئات المشاورين القارّيّة
الأحبّاء الأعزّاء،
سلّطت المرحلة الأولى من خطّة السّنوات التّسع الضّوء على مكامن القوّة العظيمة الّتي تزخر بها الجامعة البهائيّة. وقد انطلقت الخطّة بطاقةٍ غير مسبوقة وعزمٍ لا يلين، بانعقاد أكثر من 10,000 مؤتمرٍ ضمّ البهائيّين والأصدقاء المهتمّين، ممّا أسهم في زيادة الوعي بأهدافها وطابعها المميّز بشكلٍ مطّرد. ثمّ أعقب ذلك إجراءات سريعة. نتوقّع بحلول الرّضوان أن تكون هناك مجموعة جغرافيّة اجتازت المَعْلَم الثّالث في نحو نصف البلدان والأقاليم البالغ عددها 160، والّتي لم يكن فيها ثمّة مجموعة جغرافيّة اجتازت هذا المَعْلَم في مستهلّ الخطّة، وما هذا إلّا إنجازٌ باهر. ونتيجةً لذلك فقد تمّ اكتساب خبرة قيّمة، ولا سيّما بفضل الجهود المُتفانية لعددٍ كبيرٍ من الأفراد الّذين نهضوا ضمن استراتيجيّة منسّقة للهجرة. وفي الوقت نفسه، وُجِّه اهتمامٌ خاصّ في جميع البلدان إلى المجموعات الجغرافيّة الّتي اجتازت المَعْلَم الثّالث، وبالتّالي تقدّمت آفاق التّعلّم تقدّمًا ملحوظًا، وأخذت قوّة بناء المجتمع الكامنة في الأمر المبارك تتجلّى على نحوٍ أوضح. وأضحت الكثير من هذه المجموعات الجغرافيّة بمثابة مستودعاتٍ للمعرفة والموارد للمجموعات المجاورة لها، وقد ثبت أنّ هذا أمرٌ حيويّ لعمليّة النّموّ في كلّ مكان. بل إنّ الحركة السّريعة للمجموعات الجغرافيّة عبر المَعالِم الثّلاثة تستلزم تعزيز هذا النّمط وتعميمه على نطاقٍ واسع. لأنّه، وعلى الرّغم من ارتياحنا بما أُحرز من تقدّم، فإنّ مهمّةً جسيمةً ما تزال أمامنا إذا أُريد لكلّ جامعةٍ بهائيّةٍ مركزيّة أن تحقّق تطلّعاتها لحركة المجموعات الجغرافيّة الّتي وضعتها لنفسها في مستهلّ الخطّة. وثمّة حاجة ملحّة إلى تنمية القدرات المطلوبة على نطاقٍ أوسع لتكثيف برنامج النّموّ. وسيظلّ المرجع الأساسيّ لهذا العمل—ولجميع أعمال خطّة السّنوات التّسع—رسالتنا المؤرّخة 30 كانون الأوّل/ديسمبر 2021، بيد أنّنا سنسعى في هذه الصّفحات القليلة إلى عرض عددٍ من البصائر الّتي انبثقت من جهود الجامعات والمؤسّسات والأفراد وهم يضعون الخطّة موضع التّنفيذ.
*
في المجموعات الجغرافيّة، وفي الأحياء والقرى الّتي أُحرز فيها تقدّمٌ بارز، بغضّ النّظر عن نقطة البداية، كان العامل الأساسيّ يكمن في قدرة الأحبّاء على مستوى القاعدة على التّعلّم معًا، جامِعين بين البصائر الّتي استقوها من تجاربهم الشّخصيّة وتلك الّتي اكتسبتها الجامعات المتقدّمة المجاورة أو البعيدة، دون أن يكون في ذلك تطبيق لصيغة ثابتة. وعلى الرّغم من أنّ السّمات الجوهريّة لبرنامج النّموّ—من حيث هدفه، ومبادئه الهادية، وأدواته الأساسيّة—هي ذاتها في كلّ مكان، إلّا أنّ النّموّ عمليّة عضويّة لا ميكانيكيّة. وفي سياق هذه العمليّة، يعتمد التّقدّم في كلّ مرحلة على الحفاظ على فهمٍ واضحٍ للأولويّات المتعلّقة بمكانٍ بعينه، وعلى قراءة الواقع المتغيّر واعتماد المقاربات الملائمة للظّروف المحلّيّة، كما أكّدنا في رسالتنا إلى مؤتمركم عام 2021.
إنّ المَعْلَم الثّالث مقياسٌ لرحلةٍ باتت بداياتها مفهومة بوضوح. فعندما تجتاز المجموعات الجغرافيّة هذا المَعْلَم وتُستحكم فيها دعائم التّقدّم، فإنّها تشترك فيما بينها بملامح مهمّة. برامج المعهد تتلقّى دعمًا من مجموعة كبيرة نسبيًّا ومتنامية من الموارد البشريّة. ويُبذل جهدٌ دؤوب لتمكين المزيد من الأحياء والقرى من استدامة النّشاط المكثّف. وثمّة قدرة على احتضان أعداد غفيرة وإدارة التّعقيد المتنامي من خلال ترتيبات رسميّة وغير رسميّة على حدٍّ سواء. ومن المهمّ للغاية في هذه المجموعات الجغرافيّة، أن يولى اهتمامٌ دؤوب بالحفاظ على دورات نشاطٍ فعّالة، بحيث يسود إيقاعٌ منتظم من الدّراسة والمشورة والعمل والمراجعة والتّقييم، لتعزِّز الجامعة من خلاله قدرتها على النّموّ وعلى الإسهام في تقدّم المجتمع الّذي تنتمي إليه. تتضمّن هذه الدّورات فترات تتميّز بالتّكثيف، تُضخّ فيها دفقةٌ من الطّاقة تدفع إلى انخراط ومشاركة أوسع دائرة ممكنة من الأصدقاء. وتقام مساعي الجامعة مثل المهرجانات العائليّة، ومخيّمات الشّباب النّاشئ، ومشاريع الخدمة، والأنشطة الفنّيّة، ومبادرات التّبليغ الجماعيّة وفق إيقاعاتها الخاصّة. وفضاءات المراجعة والتّقييم ملتقىً يجمع عددًا كبيرًا من الأصدقاء، ويتمّ استخدامها بعناية وتمعّن —إذ ثمّة وعي بأنّ جودة وفائدة المراجعة والتّقييم إنّما تُقاس بما يُثمر عنه من عملٍ هادف. ومن هذه المجموعات الجغرافيّة تتدفّق الموارد إلى المجموعات المحيطة لتُعين الأحبّاء هناك على إحراز تقدّمٍ متسارع.
لقد لاحظنا باهتمامٍ بالغٍ كيف أخذت روحٌ جماعيّة تتجلّى على نحوٍ متزايد بين جميع المنخرطين في نمط النّشاط في المجموعات الجغرافيّة الّتي اجتازت المَعْلَم الثّالث، حتّى عندما لا تكون هذه الرّوح قويّة جدًّا في المجتمع الأوسع. وغالبًا ما تتجلّى هذه الرّوح في إحساسٍ بالانتماء وشعورٍ بالمسعى المشترك وبالدّعم المتبادل, هذه وسواها من مظاهر التّقدّم على مستوى الثّقافة تغدو أكثر وضوحًا في مراكز النّشاط المكثّف في المجموعة الجغرافيّة—ليس فقط في الأماكن الّتي يمكن قياس المشاركة فيها كنسبة كبيرة من السّكّان، بل وفي أيّ حيٍّ أو قريةٍ تستجذب برامج الجامعة وأنشطتها أعدادًا غفيرة. وعلاوة على ذلك، هناك ثمّة ازدياد في ترتيباتٍ تعاونيّةٍ شتّى، والّتي تؤدّي دورًا جليلًا في بناء هويّة اجتماعيّة مشتركة وهدف جماعيّ موحّد أو إعادة تشكيلهما. وتشمل هذه التّرتيبات مجموعات العائلات والأُسر الّتي أشرنا إليها في عام 2021، إلى جانب تجمّعاتٍ أخرى كالنّساء أو الشّباب، والمزارعين أو المربّين، والمحرّكين أو معلّمي صفوف الأطفال، وغالبًا ما يحيط بها شبكة داعمة من الأصدقاء. تمضي مجموعاتٌ من هذا القبيل إلى تنظيم جهودها الخاصّة لتحسين جانبٍ من جوانب حياة الجامعة، وتسعى إلى توسيع دائرة المشاركة في تلك الجهود. وبعبارةٍ أخرى، فهي تساهم في أن يغدو نموّ الجامعة وتطوّرها ذاتيّ الاستدامة، وذلك دون الحاجة إلى استحداث طبقات جديدة من الهياكل الإداريّة. وهذا أمر ذو شأن عظيم. إنّه يدلّ على القدرة النّاشئة للجامعة على أن تكون نصيرًا بارزًا في الخطّة. جامعة تُعوّل على الثّقة الكاملة والتّوجيه المُفعم بالمحبّة من جانب المؤسّسات، توجّه مسار تطوّرها الذّاتيّ بإبداعٍ وابتكار، وتستكشف سبل تطبيق المبادئ الكامنة في رسالة حضرة بهاء الله على القضايا الّتي تواجهها ضمن واقعها المباشر.
ليس من المستغرب أنّ المبادرات المجتمعيّة الّتي وصفناها في عام 2021 غالبًا ما تنبثق من ترتيبات التّعاون المشار إليها آنفًا. وتمثّل مبادرات العمل الاجتماعيّ المتواضعة ولكن المستدامة هذه مجالًا من مجالات المسعى الّذي كان بطبيعته كامنًا في برنامج النّموّ منذ نشأته؛ فحتّى في أولى دورات المعهد التّدريبيّ تُبنى القدرة للقيام بأعمالٍ تسهم في إصلاح العالم ولإجراء أحاديث هادفة حول قضايا ذات أهمّيّة اجتماعيّة. وخلال السّنوات الأربع الماضية، شهد عدد المبادرات المجتمعيّة المنبثقة عن أنشطة الخطّة ازديادًا ملحوظًا. وقد نشأت بعضها أيضًا نتيجة ما لقيته من تشجيعٍ وتدريبٍ ومساندةٍ من منظّمات تعمل بهدي من التّعاليم البهائيّة. ويرجّح أن تنشأ كلّ هذه المبادرات في الأماكن الّتي تقدّمت فيها عمليّة بناء الجامعة على نحوٍ ملحوظ، ونقدّر عاليًا ما قدّمتموه أنتم ومعاونوكم، فضلًا عمّا قدّمته المحافل الرّوحانيّة المحلّيّة، من دعمٍ لهذه المبادرات. وتضطلع المنظّمة البهائيّة العالميّة للتّنمية على نحوٍ نشطٍ باستكشاف الظّروف الكفيلة بظهور هذه المبادرات وازدهارها في بيئاتٍ شتّى حول العالم، بما في ذلك كيف تتطوّر بعضها مع مرور الوقت لتغدو منظّماتٍ مجتمعيّة.
وفي صميمِ تقدّمِ أيِّ جامعةٍ بطبيعة الحال تكمن عمليّة المعهد. وما دامت القدرة على العمل مع أعدادٍ غفيرة في مجموعةٍ جغرافيّةٍ لا تزال قيد البناء، فمن الطبيعيّ أن تنصبّ جهود المعهد، على نحوٍ يكاد يكون حصريًّا، على إعداد الموارد البشريّة القادرة على الاضطلاع بأعمال خدمة محدّدة. غير أنّه مع مرور الزّمن، وبعد اجتياز المَعْلَم الثّالث وتنامي قوّة مراكز النّشاط المكثّف، يكرّس المعهد أيضًا المزيد من الاهتمام الجادّ لتقديم برامجه على نحوٍ منهجيّ وفعّال، من مرحلة الطّفولة حتّى سنِّ الرّشد، ونشر هذه البرامج في سائر أنحاء المجموعة الجغرافيّة. فيبدأ بتقديم صفوف الأطفال لتشمل جميع المراحل الدّراسيّة، ويزداد عدد الكتب الّتي تدرسها مجموعات الشّباب النّاشئ، وتُستدام المشاركة في كلا البرنامجيْن عامًا بعد عام، الأمر الّذي يُكسب هذه المساعي قدرًا أعلى من التّنظيم. وغالبًا ما تستند هذه الإنجازات إلى الخدمات الّتي يقدّمها فوج متنامٍ من الشّباب. وتتعزّز جهود المعهد تدريجيًّا بمساعٍ تربويّةٍ إضافيّةٍ ترمي إلى تنمية السّكّان، من قبيل برامج تستند إلى مواد مستوحاة من التّعاليم البهائيّة، فضلًا عن الدّورات المتاحة في المجتمع الأوسع، أو حتّى مدرسةٍ مجتمعيّة في بعض الأماكن. وقد عبّرنا في رسالتنا المؤرّخة في 30 كانون الأوّل/ديسمبر 2021 عن أملنا في إيلاء الاهتمام بمساعدة الشّباب للوصول إلى الفرص التّعليميّة، ويسرّنا أن نرى هذا الاحتياج يُلبّى بطرائقَ شتّى، من بينها دروس التّقوية بعد الدّوامِ المدرسيّ ومساعدة الشّباب الرّاغبين في الالتحاق بالتّعليمِ العالي. ومع تبلور مسارٍ تعليميٍّ واسع، تشعر الجامعة بمسؤوليّةٍ أعظم لتحفيز وتشجيعِ كلِّ فردٍ من أفرادها، ولا سيّما الشّباب، على المضيّ قُدُمًا فيه سعيًا إلى النّماء روحانيًّا وفكريًّا.
لقد لاحظنا المنافع الّتي تترتّب على تعزيز الوعي في المجتمع الأوسع بالقيمة التّربويّة لبرامج المعهد. وقد اقتضى ذلك بذل جهودٍ حثيثة للتّواصل مع أولياء أمور الأطفال والشّباب النّاشئ وذويهم، وكذلك مع المسؤولين وكبار المربّين الّذين يتفاعل معهم البهائيّون. إنّ هذه الجهود تُسهم في اتّساع نطاق الدّعم الّذي تحظى به أنشطة المعهد من المجتمع الأوسع، بما في ذلك ما تُبديه المؤسّسات والوكالات العامّة، فضلًا عن الزّعماء التّقليديّين. ليس من غير المعتاد في المجموعات الجغرافيّة الّتي بلغت فيها مساعي الجامعة البهائيّة مستوى مرموقًا من الشّهرة والاحترام، أن يتواصل أصحاب القرار في الهيئات الحكوميّة المحلّيّة، والخدمات العامّة، وقطاعات المجتمع المدنيّ طلبًا للرّأي والتّعاون. ويظلّ الأحبّاء والمحافل الرّوحانيّة المحلّيّة الّتي تمثّلهم منفتحين على العمل جنبًا إلى جنب مع مؤسّسات المجتمع ويرحّبون بمثل هذا التّواصل، مع البقاء يقظين لتجنّب التّورط في السّياسة. وقد شهدنا أحيانًا كيف تتّسع علاقة الأحبّاء بأجهزة الإدارة المحلّيّة فتتجاوز حدود التّعاون لتشمل شعورًا بالرّسالة المشتركة، موجّهًا نحو النّهوض بالمجتمع—شعبٌ يسير كنفسٍ واحدة. وفي أماكنَ يتزايد عددها، بات عموم السّكّان ينظرون إلى المحفل الرّوحانيّ المحلّيّ باعتباره محفلهم هم أيضًا، ويشاهدون النّور الّذي يشعّ منه.
في عام 2021 سلّطنا الضّوء على الإمكانيّات الّتي يمكن تحقيقها حين تبلغ الأنشطة انتشارًا شائعًا في مكان ما، ورغم أنّ عدد الأماكن الّتي شهدت هذا التّحوّل لا يزال محدودًا نسبيًّا، إلّا أنّ هذه الظّاهرة آخذة في التّنامي باطّراد. هذه أماكن محدّدة ضمن مجموعة جغرافيّة تتجلّى فيها قوّة بناء المجتمع الكامنة في الأمر المبارك بأوضح صورها. هنا تصبح طريقة عمل الخطّة جزءًا لا يتجزّأ من تفاصيل الحياة اليوميّة للشّعب على نحوٍ يتعذّر قياسه أو وصفه في مجمله. وفي سياق جهودهم ومداولاتهم الجماعيّة، ينشغل الأحبّاء في هذه الأماكن، على نحوٍ متزايد، بتهيئة فضاءاتٍ يُتاح فيها للنّاس التّشاور وتبادل المعارف المستمدّة من العلم والدّين، واستكشاف سبل تطبيق تلك المعارف في مجالات تنمية الأسرة، والتّعليم، والنّشاط الاقتصاديّ، والصّحّة العامّة، وسائر العمليّات الأساسيّة للحياة المجتمعيّة، فيبعثون فيها روحًا جديدة. ونظرًا للتّداعيات بعيدة المدى لما يحدث، لم يعد مصطلح ”برنامج النّموّ“ يفي تمامًا بحقّ هذه التّطوّرات. فبينما قد لا تزال وتيرة النّموّ في بعض أنحاء المجموعة الجغرافيّة في مراحلها الأولى، فإنّ ما نشهده هنا، حيث يبلغ مستوى المشاركة في الأنشطة البهائيّة حدًّا بالغ الارتفاع، هو بروز واقع جديد مع تطوّر علاقة الجامعة البهائيّة بالمجتمع. إنّ آفاقًا مشرقةً تلوح في الأفق.
*
في البيئة الطّبيعيّة، تَخلق التّآلفات والعلاقات حيويّةً وتبعث حياةً جديدة. وبالمثل، تنبثق عمليّة تعلّم مزدهرة من تفاعلاتٍ رسميّة وغير رسميّة لا حصر لها وما ينشأ عنها من خصائص ناشئة. وتتّسم هذه العمليّة بتبادل متواصل وسلس للبصائر والخبرات والأفكار بين الأصدقاء العاملين في مستوى القاعدة. غير أنّ الأمر لا يقف عند هذا الحدّ، بل يمتدّ إلى المستوييْن الإقليميّ والمركزيّ وأبعد من ذلك، حيث يُعزّز التّعلّم في كلّ مستوى من خلال مناقشات حيويّة تدور في فضاءات أُعدّت لمراجعة العمل وتقييمه. وتستند هذه المشاورات إلى الدّروس المستقاة من مساعي الجامعة البهائيّة في جميع أنحاء العالم ضمن إطار الخطّة، وإلى الاستنتاجات المُستخلصة من تحليل الأنماط الآخذة في التّبلور محلّيًّا. وبالطّبع تتشكّل هذه المناقشات أيضًا بتأثير المؤسّسات والوكالات الّتي تخدم في مختلف المستويات. فبينما يتعيّن على الأفراد والجامعات والمؤسّسات جميعًا أن يساهموا، إلا أنّ مؤسسات الأمر المبارك هي الّتي أُنيطت بها مهمّة رعاية هذا النّظام البيئيّ للتّعلّم بأكمله. ومن المتطلّبات الأساسيّة في هذا الصّدد، ضمان وجود ترتيبات كافية، مؤسّسيّة كانت أم أقلّ رسميّة، تكفل ازدهاره، وأن يرتبط جميع المشاركين في عمليّة التّعلّم بروابط محبّة مشبعة بروح التّواضع والسّماحة.
إنّ قدرة المؤسّسات والوكالات على تعزيز عمليّة التّعلّم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرتها على إدارة العمل بفعّاليّة وكفاءة. ومع تزايد خطوط العمل المختلفة وتفاعلها في محلٍّ ما، تغدو المحافل الرّوحانيّة المحلّيّة أكثر قدرة على تلبية متطلّبات التّنسيق والتّخطيط. وغالبًا ما تتقاسم المحافل هذه المسؤوليّة مع وكالات المجموعة الجغرافيّة، فيعملون معًا على ضمان توجيه النّصح والموارد والتّشجيع إلى حيث تمسّ الحاجة وأنّ عمليّة التّعلّم مستمرّة في التّقدّم. وتحرص وكالات المجموعة الجغرافيّة على وجه الخصوص أن تعمّ الدّروس المُستخلصة من التّجارب في محلٍّ ما، أو حتّى في جزءٍ صغيرٍ منها، فتعود بالنّفع على سائر أنحاء المجموعة الجغرافيّة. وفي الوقت ذاته، تنعكس المقاربة المتّبعة في تبادل المعرفة والبصائر داخل المجموعة الجغرافيّة على تلك المتّبعة في تبادل المعرفة والبصائر بين المجموعات الجغرافيّة. وقد أضحى توفير الدّعم السّريع وتبادل الخبرات أمرًا ميسورًا بفضل تطوير ترتيبات فعّالة بين مجموعات جغرافيّة متجاورة. ومع تأسيس المجالس البهائيّة الإقليميّة أو لجنة النّموّ المركزيّة الآن في كلّ بلد، باتت الوسائل المؤسّسيّة متوافرةً في كلّ مكان لدعم تقدّم عمليّة النّموّ على نحوٍ منهجيّ. وعلى الصّعيد المركزيّ، وحين تقتضي وفرة الأحداث الجارية ذلك، استحدثت المحافل الرّوحانيّة المركزيّة هياكل وفضاءات معيّنة تساعدها على مواكبة ما يتمّ تعلّمه. ومن البديهيّ ألا تُستحدث ترتيبات وهياكل جديدة إلّا إذا اقتضت متطلّبات النّموّ ذلك. ومع هذا فإنّنا نعوّل عليكم وعلى معاونيكم أن تكونوا على دراية بموعد تطوّر التّرتيبات القائمة على أيّ مستوى من مستويات الجامعة لتلبية متطلّبات النّموّ، ثمّ لتشجّعوا في تفاعلاتكم مع المؤسّسات المعنيّة نشوء ترتيبات جديدة بالشّكل الملائم.
ولقد لاحظنا أيضًا كيف أنّ التّرتيبات الإداريّة الّتي تدعم عمل المعهد التّدريبيّ آخذة في التّطوّر على نحوٍ يُسهم في رعاية عمليّة تعلّمٍ حول الانتشار السّريع لبرامج المعهد وتقديمها بالمستوى المنشود من الجودة. ففي المراحل الأولى، تكون هذه التّرتيبات بسيطةً للغاية، غير أنّه مع تزايد أعداد القائمين على الخدمة في المجموعة الجغرافيّة، من مرشدين ومحرّكين ومعلّمي صفوف الأطفال، تشتدّ الحاجة إلى انخراطهم على نحوٍ هادف في عمليّة تعلّم جماعيّة. ومن الأهمّيّة بمكان أن يتمكّنوا من الحفاظ على حوارٍ متواصل فيما بينهم، وأن يراجعوا العمل ويقيّموه معًا ضمن مجموعات، وأن يساند بعضهم بعضًا في ميدان العمل. وتتطوّر هذه الأنماط من التّفاعل على نحوٍ أيسر حين يحظى المشاركون بمرافقة فعّالة من المنسّقين والمتعاونين الّذين يواكبونهم في مساعيهم. وبالطّبع تبرز الحاجة أيضًا إلى إيجاد منسّقين في كلّ مجموعة جغرافيّة وإلى مساعدتهم على تنمية قدراتهم مع مرور الزّمن، وهذه مسؤوليّة تقع في الغالب على عاتق منسّقي المعهد الإقليميّ أو المركزيّ الّذين تتعزّز مساعيهم شيئًا فشيئًا بانضمام فرق من الأصدقاء لكلّ برنامجٍ تعليميّ. وخلال السّنوات الأربع الماضية بذلت هذه الفرق جهودًا كبيرة في مؤازرة المنسّقين الإقليميّين والمركزيّين لتنظيم ندوات تتناول محتوى البرامج بعمق، ممّا أتاح تقديم موادّ المعهد إلى أعدادٍ متزايدة من المشاركين بقدرٍ أعظم من الإبداع والمرونة والقدرة على التّكيّف دون المساس بجوهر العناصر الأساسيّة للبرنامج.
وفي غضون ذلك، فإنّ الخبرات والبصائر النّاشئة عمّا يتعلّمه المعهد يجري جمعها وتحليلها ومشاركتها. ويستفيد هذا العمل استفادة كبيرة من اللّقاءات التّشاوريّة الّتي يعقدها المعهد دوريًّا، ويشارك فيها أعضاء هيئة المعاونين، وممثلو المجلس البهائيّ الإقليميّ أو لجنة النّموّ المركزيّة، والموارد البشريّة ذات الاختصاص من مواقع التّعلّم، فضلًا عن غيرهم من الأفراد الّذي غدت خبرتهم رصيدًا ثمينًا. وتُسهم اجتماعات هذا الفريق التّعاونيّ في توثيق صلات المعهد بسائر المؤسّسات والوكالات بما يضمن تكشّف عمليّة تعلّم المعهد ضمن السّياق الأوسع للتّعلّم المتعلّق بعمليّة النّموّ برمّتها. تعمل هيئة المعهد أيضًا على تعزيز سائر الجوانب الأخرى للمعهد، بما في ذلك قدرته الإداريّة، ليتمكّن من مواكبة نظامٍ متنامٍ من التّربية الرّوحانيّة يزداد تعقيدًا بشكلٍ تدريجيّ. وقد جرى تنظيم معظم المعاهد الآن ضمن مجموعات لتيسير تدفّق الدّعم العمليّ وتبادل البصائر القيّمة؛ وقد ثبت أنّ تطوير شبكات المعاهد هذه يُعدّ استراتيجيّة مهمّة لدفع المعاهد إلى التّقدّم بوتيرةٍ متسارعة.
*
لقد سرّنا دومًا أن نرى النّفوس المشتعلة, الّتي أشرنا إليها في رسالتنا إلى مؤتمركم لعام 2021، في مجموعة جغرافيّة إثر أخرى وبأعدادٍ متنامية تمضي قُدُمًا في تنفيذ الخطّة بروح من التّفاني والإخلاص، ولا سيّما بما تبديه من التزامٍ راسخ بعمليّة التّعلّم. ويشكّل هذا أساسًا متينًا للتّقدّم الّذي يتعيّن إحرازه في المرحلة الثّانية من الخطّة.
إنّ العمليّات الّتي تتكشّف ضمن الخطّة تُحدث،بلا ريبٍ، أثرًا عميقًا وتحوّلًا جوهريًّا في حياة الفرد. وما نشهده هو أصدقاء متشوّقون يتعلّمون كيف يوفّقون مساعيهم على نحوٍ أوثق مع الإرادة الإلهيّة. ومن خلال الانخراط في إطار العمل الّذي ترسمه الخطّة، يكتشف الأفراد سُبلًا لتحسين الحياة في شتّى جوانبها—لأنفسهم، ولأبنائهم، ولعائلتهم الأوسع، ولمجتمعهم. إنّهم يمتازون بأعلى درجات الوعي الرّوحانيّ والّذي يُفضي إلى حياةٍ عامرة بالغاية والمعنى، حياة يكرّسونها لتنمية ما أودعه الله فيهم من قابليّات، ويجهدون للعمل من أجل إصلاح المجتمع. إنّهم يدركون قيمةَ المعرفة في دفع عجلة التّقدّم، وملتزمون بتوليدها ويشاركونها بسخاءٍ وتواضع. فالتّعلّم لديهم عادةُ فكرٍ و توجّهٌ في كلّ عمل. في كلّ انسان ٍ يرون زميلًا ساعيًا إلى الحقيقة. ويكرّسون أنفسهم كلّيًّا لتقدّم المجتمع روحيًّا وفكريًّا ومادّيًّا. لا تزعزعهم صوارف الدّنيا المتواصلة عن مسارهم. يمضون ثابتين، صبورين ومثابرين، وقد عقدوا العزم على السّعي الدّؤوب طويل الأمد. وفي صحبة جمع غفير من النّاس يشيّدون ملاذاتٍ للسّلام.
لقد تبيّن مرارًا وتكرارًا أنّه كلّما ازداد وعي الأفراد بأهمّيّة نمطٍ موسّعٍ من النّشاط في محيطهم، بادروا طواعيةً إلى تسخير أوقاتهم وطاقاتهم الإبداعيّة في سبيل تطويره وتعزيزه على نحوٍ أشمل. وعلى وجه العموم، يساند المؤمنون جامعتهم أيضًا من خلال التّبرع للصّناديق الأمريّة وتقديم أنواعٍ أخرى من الموارد المادّيّة. ومع أنّ جميع المؤمنين يقدّمون إسهاماتٍ من هذا القبيل، فإنّ هذا يُعدّ بالنّسبة للمؤمنين ذوي المقدرة المادّيّة، سبيلًا لتقدّم الخطّة هم مؤهّلون بشكلٍ خاصّ للإفادة منه. وأيًّا كان الشّكل الّذي تتّخذه خدمةُ المرء فإنّها تنبع من التّفاعل الفريد بين احتياجات الأمر المبارك من ناحية، والإمكانيّات الّتي تتيحها ظروف كلّ فردٍ والتّضحيات الّتي يختار أن يقدّمها من ناحية أخرى.
يقدّر المؤمنون بشكلٍ متزايد شرف تعريف نفسٍ على رسالة حضرة بهاء الله، بل وفوق ذلك مساعدة أولئك الّذين يقفون على أبواب الإيمان على الولوج إلى رحابه بكلّ محبّة. وفي عام 2021 أشرنا إلى هذه اللّحظة الّتي لا تقدّر بثمن في رحلة الإنسان الرّوحانيّة. لقد لاحظنا باهتمامٍ بالغ أنّه منذ ذلك الحين ركّز الأحبّاء في أماكن شتّى اهتمامهم على كيفيّة التّعرّف على اللّحظة الّتي تُفتح فيها مدائن القلوب، وعلى الأحاديث الّتي تفضي إلى هذه اللّحظة وتلك الّتي تليها. ولا يزال هناك الكثير ممّا ينبغي تعلّمه في هذا الصّدد، سواء في ما يتعلّق بكيفيّة استشفاف الاستعداد في بيئات مختلفة وكيفيّة الإقرار حين يكون قد بلغ حدّ الإيمان.
عندما يتفكّر المرء في مسيرة حياته لا يجد بهجةً ولاراحةً أسمى من أن يدرك أنّها انقضت في وعي عميقٍ بالدّرياق الإلهيّ، وأنّه لم يألُ جهدًا في تقديم هذا الدّرياق للنّفوس المستعدّة، وأنّه في سنوات حياته العابرة المليئة بالفرص، وحتّى في غمرة الشّدائد والمحن، اغتنم كلّ سانحةٍ للاستجابة لحاجة البشريّة الملحّة. نتضرّع إلى حضرة بهاء الله بحرارة الشّوق وصدق الابتهال كلّما تشرفنا بزيارة أعتابه راجين أن يكلّل جهود الأحبّاء قاطبةً بالنّجاح والتّوفيق.
[التّوقيع: بيت العدل الأعظم]